انصر القدس... ولو في الصّين!

تاريخ الإضافة الإثنين 26 آب 2019 - 5:11 م    عدد الزيارات 1089    التعليقات 0     القسم مقالات

        


براءة درزي

باحثة في مؤسسة القدس الدولية

عاد الجدل حول زيارة العرب والمسلمين للمسجد الأقصى مؤخرًا بعد نشر مقابلة مع الشيخ أحمد الريسوني، رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين والرئيس السابق لحركة التوحيد والإصلاح، تطرّق فيها إلى الزيارة، وقال إنّ الاتحاد بصدد إصدار فتوى مفصلة بشأن زيارة القدس والأقصى، موجهًا اعتذارًا إلى الفلسطينيين بهذا الشأن لأنّه "ليس كل من زار القدس مطبعًا". ثم كتب د. ناصر الدين الشاعر، وهو عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، على صفحته على موقع فيسبوك، في 18-8-2019 ، أنّ "منع كافة الناس من زيارة القدس وشد الرحال إلى الأقصى بذريعة الخوف من التطبيع لم يعد هو الموقف السليم".

 

ليس الجدل حول زيارة القدس تحت الاحتلال بالجديد، فقد نشأ جدل مثله بعد الدعوة التي وجّهها الرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى العرب والمسلمين لزيارة القدس والأقصى، قائلاً في المؤتمر الدوليّ للدفاع عن القدس المنعقد في قطر في شباط/فبراير 2012، إنّ الزيارة دعم للسجين وليست تطبيعًا مع السجان. لكنّ هذه الدعوة لم تحظ منذ ذلك الحين بإجماع حولها، بل إنّها خلفت من الجدل حول جدواها أكثر ممّا يحظى به التوافق حول الأساليب الأخرى التي يمكن بها دعم القدس والمقدسيين والمقدّسات الرّازحة تحت الاحتلال.

 

وإذ لا يهدف هذا المقال إلى الدخول في الجدل ذاته وما إذا كان في زيارة العرب والمسلمين إلى القدس تحت الاحتلال دعم للسجين حقًا، فإنّه لا بدّ من الإشارة إلى أنّ ملايين الفلسطينيين في أرض فلسطين التاريخية محرومون من زيارة الأقصى بسبب الاحتلال الذي يمنع أهل غزة من الدخول إلى القدس، ويضيّق على أهل الضفة في الوصول إلى القدس والأقصى، ويصدر سنويًا مئات أوامر الإبعاد عن المدينة المحتلة والمسجد الأقصى بحقّ المقدسيّين وفلسطينيي الأراضي المحتلة عام 1948. ونشير هنا، على سبيل المثال وحسب، إلى أنّ الاحتلال يمنع المقدسيتين هنادي حلواني وخديجة خويص منذ حوالي خمس سنوات من الدخول إلى الأقصى، ويمنع الشيخ رائد صلاح من أراضي الـ48 من الوصول إلى القدس. ويمكن الرجوع إلى تقارير عين على الأقصى السنوية الصادرة عن مؤسسة القدس الدولية، وفيها تفصيل لأوامر الإبعاد الصادرة ضد الفلسطينيين على مدى الأعوام الماضية.

 

لا شكّ في أنّ الاحتلال يقف اليوم حجر عثرة في وجه زيارة القدس والأقصى، هذه الزيارة التي تهفو إليها قلوب المؤمنين شوقًا فيصبرون عنها على أمل تحقيقها بعد استعادة المقدسات. لكّن هذا المنع لا يمكن أن ينكّس رايات التّوق في نفوس المشتاقين إلى زيارة واحدة من أقدس بقاع الأرض، أو يمنعهم من أن يبعثوا "بزيت يسرج في قناديله"، دعمًا ماديًا أم معنويًا. وإنّ نصرة القدس والمقدسيين والمقدّسات، ودعم الأقصى، لها أبواب متعدّدة يمكن أن يطرقها كلّ من يريد دعم القدس وأهلها مقدّساتها، من دون أن يزور المدينة حتى، بل في أيّ بقعة من بقاع الأرض وجد، وبما توافر له من إمكانات، وقدرات، ومقدّرات، مع اليقين أنّ الدعم يطوي طريق التحرير ويجعلنا إلى القدس والأقصى أقرب. ومن طرق الدّعم الممكنة:

 

نظرًا إلى أنّ جزءًا من الحرب التي يشنّها الاحتلال هو حرب على الوعي، ومحاولة تدجين التفكير العربي والإسلامي ليقبل الرّواية الإسرائيلية، فإنّ أحد أوجه الدعم الممكن هو المشاركة في نشر الوعي حول حقيقة الصّراع، والقدس والأقصى، وفلسطين عمومًا، والاعتداءات الإسرائيلية على الأقصى، ومخطّطاته التهويديّة، ومنها محاولات التقسيم الزماني والمكاني وفرض السيادة الإسرائيلية على المسجد. ويمكن أن يساهم في هذا المجال الصحفيون والإعلاميون، والمثقفون، والأكاديميون، والعلماء، وغيرهم. ومن ضمن نشر الوعي، التّركيز على سياسة الإبعاد التي يعتمدها الاحتلال بحقّ الفلسطينيين لمنعهم من دخول المسجد لأنّهم يساهمون في كشف زيف روايته، إضافة إلى تسليط الضوء على قضية نواب القدس ووزيرها الذين أبعدهم الاحتلال عن القدس، وغيرهم من الفلسطينيين الذين أصدر الاحتلال قرارات إبعاد عن القدس أو عن البلدة القديمة بحقّهم لما في هذا الإبعاد من تعارض مع دعوة العرب خصوصًا إلى زيارة القدس في الوقت الذي يمنع الاحتلال فيه الفلسطينيين في الداخل من زيارتها.

 

  • الدعم المعنوي للمقدسيين، في الوقفات والتظاهرات، والفعاليات التي يمكن تنظيمها في مختلف الدول العربية والإسلامية، وفي أوروبا والولايات المتحدة، وتأكيد التضامن معهم ضدّ الاحتلال وسياساته، وضدّ اعتداءاته على المسجد الأقصى وأهله، فتضامن الحشود في العالم مع المقدسيين يعزّز صمودهم في وجه الاحتلال عندما يعرفون أنّهم ليسوا متروكين وحدهم في مواجهة عدو محتلّ غاصب.
  • الدّعم المالي للمقدسيّين، ومن ذلك المساهمة في مشاريع الدعم التي تنظّمها المؤسسات الأهليّة حول العالم، والتي تصب في دعم القطاعات الحياتيّة المختلفة في القدس، ودعم مشاريع الرباط في الأقصى، وترميم بيوت البلدة القديمة، وغيرها من المشاريع.
  • السياسيّون يمكنهم الاستفادة من علاقاتهم لتشكيل شبكات داعمة لصمود المقدسيين، وللتّواصل مع مختلف الجهات السياسية عبر العالم التي يمكن أن تؤثّر في دولة الاحتلال والضغط عليها
  • رفض كل أشكال التطبيع مع الاحتلال، والضغط على الحكومات لإنهاء علاقاتها التطبيعيّة مع الاحتلال، إن تحت مسمى التجارة أو الأمن أو السياحة، والحرص على عدم الانخراط في علاقات تطبيعيّة، لا سيّما في ميدان الفن والرياضة التي يحاول الاحتلال عبرها التسلل إلى الوعي الشعبي.
  • الاستفادة من الخبرة والمعرفة القانونية لمن يملكها وتسييلها لمصلحة الجانب القانوني من القضية الفلسطينية.

 

هذه بعض أوجه الدعم الذي يمكن تقديمه للقدس والمقدسيين، من دون زيارة المدينة المحتلّة، وإنّ أيّ جهد نقدّمه هو جهد المقلّ، فثمّة من هم هناك يبذلون المهج والأرواح ليقوموا عنّا بواجبنا، وليدافعوا عن القضية التي قُدّمت في سبيلها الأنفس والدماء، والمال والبنون. إنّ الأقصى والقدس مسؤوليتنا جميعًا فلا أقلّ من أن يقوم كلّنا بما يستطيع، ولا يبخلنّ أحدنا بوقته وجهده، أو قلمه وفكره، أو قدرته وقوّته، ليكون جنديًا في معركة الحقّ ضدّ الباطل، وفي معركة تحرير الأرض والمقدّسات.

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



السابق

خمسون عاماً: الأقصى حيّ فينا رغم الحريق

التالي

اقتحامات المسجد الأقصى: بين حسابات الانتخابات «الإسرائيلية» والعمليات الفلسطينية

مقالات متعلّقة

براءة درزي

برد الثلاجات إذ يغدو لهيبًا!

الخميس 12 أيلول 2019 - 3:06 م

لا ينفكّ الاحتلال يستغلّ جثامين الشهداء ومقابر الأرقام ضمن وسائل الضبط والعقاب التي يسعى عبرها إلى ترويض الفلسطينيين، وخلق مجتمع خانع راضٍ بالاحتلال، تارك للمقاومة، نابذٍ لها، معرضٍ عنها. وتتحالف أذرع… تتمة »

علي ابراهيم

خمسون عامًا على الجريمة.. والأقصى حيٌّ فينا

الثلاثاء 20 آب 2019 - 4:48 م

كثيرةٌ هي المشاهد التي تؤثر بك تأثيرًا شديدًا، وتغير في كنهك أمرًا صغيرًا لا تدركه، ولكنه عميق الأثر، غائر المعنى.. وكثيرة أيضًا تلك الأسئلة البسيطة الساذجة ولكنها وفي ثوب البساطة تزخر بأعظم المعاني، … تتمة »