موقف دول أمريكا اللاتينيّة من نقل سفاراتها إلى القدس المحتلة


تاريخ الإضافة الإثنين 13 أيار 2019 - 10:25 ص    عدد الزيارات 1645    التحميلات 236    القسم أوراق بحثية

        


فتحت خطوة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب شهية عدد من دول أمريكا اللاتينية لنقل سفاراتها إلى القدس المحتلة، لكن ما خلص إليه المشهد أكّد أنّ نقل السفارة لن يكون بالسهولة التي ظنّها قادة بعض الدول. ويمكن القول إنّ انزياح الدول اللاتينية إلى اليمين ساعد على أن يكون القرار محلّ ترحيب من بعض هذه الدول، لكن في المحصّلة انفردت غواتيمالا في نقل سفارتها فيما عبّرت دول أخرى عن اتجاهها إلى إنشاء مكاتب تجارية في القدس بعدما بات واضحًا أنّ نقل السفارة دونه تبعات وأثمان. وفي ما يأتي أبرز المواقف التي خرجت من دول أمريكا اللاتينية في نقل السفارة.

 

غواتيمالا

بعد إعلان ترمب اعتراف إدارته بالقدس عاصمة لدولة الاحتلال واتّجاهه إلى نقل السّفارة الأمريكيّة من "تل أبيب" إلى القدس المحتلّة، أعلنت دول أخرى أنّها ستتبع خطوته وستنقل سفاراتها لدى دولة الاحتلال إلى القدس المحتلّة. وسارعت غواتيمالا إلى تأييد الخطوة الأمريكية وأعلن رئيسها جيمي موراليس أنّه سينقل سفارة بلاده لدى "إسرائيل" إلى القدس بعد نقل السّفارة الأمريكيّة، وموراليس إيفنجليكاني فاز بالانتخابات الرّئاسية في عام 2015، وهو "صديق إسرائيل"، وفق صحيفة "جيروزاليم بوست".

عقب افتتاح السّفارة الأمريكيّة في القدس، أعلنت غواتيمالا افتتاح سفارتها في القدس بعد يومين من الخطوة الأمريكية، وكانت بدأت بنقل المفروشات والتّجهيزات في 2/5/2018[1]، بعد نقل سفارة غواتيمالا، وجّه الرئيس الأمريكي رسالة شكر إلى غواتيمالا، فيما قالت تقارير صحفية إنّ إدارة ترمب تعمل على مكافأتها عبر تقويض عمل اللجنة الدولية لمكافحة الإفلات من العقاب المدعومة من الأمم المتّحدة لمحاربة الفساد الرّسمي، والمعنيّة بالتّحقيق حول رئيس غواتيمالا، جيمي موراليس، وعائلته. وتتضمّن التغييرات المقترحة لتقويض عمل اللجنة تغيير مهامها وإعادة تعريف الفساد على نحو ضيّق، والحدّ من صلاحيات مفوّض اللجنة وتعيين نائب له تساعد غواتيمالا في اختياره[2].

 

الباراغواي

في 21/5/2018، افتتحت الباراغواي سفارتها في القدس المحتلة وشارك رئيسها هوراسيو كارتيس، صديق نتنياهو، في حفل الافتتاح[3]. وقال نتنياهو، الذي حضر مراسم الافتتاح مع زوجته، إنّ "هذا يوم عظيم لإسرائيل، وللباراغواي، ولصداقتنا"[4]. واتّخذت سفارتا غواتيمالا والباراغواي من الحديقة التّكنولوجية بالمالحة في غرب القدس مقرًّا لهما. لكن بعد فوز ماريو عبدو بينيتز بالرئاسة في الباراغواي أعلن أنّه سيعيد السفارة إلى "تل أبيب" قائلًا إنّ بلاده ملتزمة بالقانون الدولي، فيما قال وزير خارجيّته لويس ألبرتو كاستيليوني، في 5/9/2018، إنّ الباراغواي تريد المساهمة في تكثيف الجهود الدّبلوماسية الإقليميّة لتحقيق سلام عادل ودائم في الشّرق الأوسط[5]. ويمكن القول إنّ الأثر السلبي لقرار إعادة سفارة الباراغواي إلى "تل أبيب" كان أكبر من الأثر الإيجابي لنقلها إلى القدس في أيّار/مايو، وقد أثار القرار غضب الإسرائيليّين، وهو غضب مبرّر إن إخذنا بالاعتبار أنّه تأكيد لعدم صوابيّة قرار نقل البعثة الدّبلوماسيّة إلى القدس المحتلة، وعقب قرار بينيتز أصدر نتنياهو توجيهاته إلى وزارة الخارجيّة لإغلاق السفارة الإسرائيلية في الباراغواي، مشيرًا إلى أنّ هذا من شأنه أن يسيء إلى العلاقة بين البلدين[6]. وكان ترمب حاول أن يثني الرئيس الجديد عن قراره، وقال بيان صادر عن البيت الأبيض إن مايكل بنس، نائب الرّئيس الأمريكي، اتصل بالرئيس بينيتز وشجعّه على المضي في تنفيذ التزام الباراغواي السّابق بنقل السفارة كدليل على العلاقة التاريخية بين الباراغواي من جهة، و"إسرائيل" والولايات المتّحدة من جهة أخرى، وقد شدّد بينيتز، وفق بيان البيت الأبيض، على الشراكة بين بلاده و"إسرائيل"، واتّفق الطّرفان على العمل من أجل التّوصل إلى حلّ دائم للصراع الإسرائيلي-الفلسطيني[7].

 

بنما

وما بين موقفي غواتيمالا والباراغواي، كان خوان كارلوس فاريلا، رئيس بنما، حاسمًا في أنّ بلاده ستبقي على سفارتها في "تل أبيب"، وجاء تصريحه هذا في أثناء زيارة إلى الأراضي المحتلّة في أيار/مايو 2018، التقى فيها كلّاً من رئيس حكومة الاحتلال ورئيس السلطة الفلسطينية. وقال فاريلا إنّ نقل سفارة بلاده سيكون في إطار عملية سلام بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، فالمهمّ الآن عودة محادثات السلام، وسيكون من بعد ذلك متّسع من الوقت لاتّخاذ قرار بشأن السفارة. إلّا أنّ فاريلا قال إنّه في "إسرائيل" لدى وجوده في الشّطر الغربي من القدس المحتلّة، الأمر الذي يعني عمليًا اعترافه بغرب القدس كجزء من دولة الاحتلال.

 

هندوراس

في هندوراس، أقرّ البرلمان في 13/4/2018 مشروع قانون يقضي بنقل السّفارة إلى القدس المحتلة[8]، وعلى الرغم من المفاوضات بين هندوراس ودولة الاحتلال حول نقل السفارة، إلّا أنّ الأمر لم يحسم بعد، وفق الناطق باسم الخارجية الإسرائيليّة، في حين أشارت تقارير إعلاميّة إلى أنّ المفاوضات دخلت مرحلة متقدّمة إذ حدّدت هندوراس المبنى الذي ستنقل السّفارة إليه[9]. وتطلب هندوراس في مقابل نقل السفارة أن تبادلها دولة الاحتلال بالمثل عبر رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي وإنشاء سفارة في العاصمة تيغوسيغالبا، إضافة إلى تعزيز العلاقات التّجاريّة بين البلدين، ومساعدة هندوراس في تحسين علاقتها بالولايات المتّحدة. وبعد لقاء ثلاثي في البرازيل على هامش حفل تنصيب الرئيس الجديد جمع كلّاً من وزير الخارجية الأمريكي ورئيس حكومة الاحتلال ورئيس هندوراس، قال مسؤول إسرائيلي، في 2/1/2019، إنّ هندوراس ستنقل سفارتها إلى القدس في غضون شهرين.

في 24/3/2019، قال بيان صادر عن الحكومة الهندوراسيّة إنّ "خوان أورلاندو هرنانديز، رئيس هندوراس، أعلن الخطوة الأولى وهي فتح مكتب تجاري في القدس، عاصمة إسرائيل، على أن يكون المكتب امتدادًا لسفارة البلاد في تل أبيب"[10]؛ إلّا أنّ المكتب لم يفتح بعد.

 

البرازيل

كان يائير بولسونارو، الرّئيس البرازيلي المنتخب في تشرين أول/أكتوبر 2018 (حفل التّنصيب الرسمي في 1/1/2019)، قال في مقابلة مع صحيفة "إسرائيل اليوم" نشرت في 1/11/2018، إنّ بلاده ستنقل سفارتها من "تل أبيب" إلى القدس التزامًا بوعده الذي أعلنه في أثناء الحملة الانتخابيّة، فـ "إسرائيل هي من تختار عاصمتها، وليس الدول الأخرى"[11]. لكن اندفاعة بولسونارو بدت متسرّعة، وأمله في تعزيز علاقات بلاده مع دولة الاحتلال دونه مخاطر الإضرار بالعلاقات مع الدول العربية والإسلاميّة. فعلى أثر تصريحه أعلنت القاهرة عن تأجيل زيارة لوزير الخارجية البرازيلي إلى مصر كانت مقرّرة بين 8 و11/11/2018، على خلفيّة ارتباطات جديدة طارئة لدى المسؤولين المصريين. كذلك، فإنّ العلاقة التّجاريّة بين البرازيل ودول المنطقة قد تتضرّر إلى حدّ كبير إذ إنّ البرازيل هي أكبر مصدّر للّحم الحلال إلى الدول الإسلامية التي قد تتخذ قرارًا بمقاطعة البرازيل في حال إقدامها على هذه الخطوة.

وفي ظلّ التنازع بين رغبة الرئيس البرازيلي في نقل سفارة بلاده إلى القدس المحتلة، والضغوط التي تحول دون ذلك، فقد عمد الرئيس إلى حلّ "وسط" عبر إعلانه، في 31/3/2019، عن نيته افتتاح مكتب تجاري في القدس، على أن يكون المكتب جزءًا من السّفارة البرازيليّة في "إسرائيل"، ويعمل المكتب على تطوير التّجارة والاستثمار والتّكنولوجيا والإبداع[12].

 

خاتمة

من الممكن القول إنّ موجة الانزياح إلى اليمين التي اجتاحت دول أمريكا اللاتينية في السنوات القليلة الماضية، لا سيّما منذ عام 2015، ساهمت في تبلور موقف يعود إلى احتضان قويّ للعلاقة مع دولة الاحتلال، وتبنّي روايتها ومصالحها، مع الإشارة إلى أنّ العلاقة الجيّدة بين دول أمريكا اللاتينية ودولة الاحتلال تعود إلى بداية تأسيس هذه الأخيرة[13]. كذلك، فإنّ علاقات الصداقة بين رؤساء عدد من هذه الدّول ودولة الاحتلال كانت حاضرة في خلفيّة القرار، علاوة على السعي إلى استرضاء ترمب الذي قال إنّه سيراقب تصويت الدّول الحليفة على مشروع قرار الأمم المتحدة ضدّ إعلانه القدس عاصمة لـ "إسرائيل".

وعلى هذا، فإنّ المشهد في أمريكا اللاتينية رسا على نقل كلّ من الباراغواي وغواتيمالا سفارتيهما إلى القدس المحتلّة، وإعادة الباراغواي سفارتها مرّة أخرى إلى "تل أبيب" بعد انتخاب رئيس جديد قرّر الالتزام بالموقف الدّولي، ولعلّ هذه الخطوة انتكاسة لدولة الاحتلال في ظلّ استعار جهودها لتنقل المزيد من الدول سفاراتها إلى القدس المحتلة. علاوة على ذلك، فإنّ الدّول التي وعدت بفتح مكاتب تجاريّة لم تفِ بوعودها بعد، وهذا بدوره يوحي بأنّ الإعلان عن فتح المكاتب هو إقرار بعدم إمكانية نقل السفارة إلى القدس، ما يعني أنّ خطوة نقل السفارة لا تزال معزولة إلى حدّ بعيد، لا سيّما إذا أخذنا بالاعتبار أنّ أيًّا من الدول الأوروبية لم تنقل سفاراتها إلى القدس المحتلة، فيما أقرّت تلك الراغبة بنقل السفارة بعدم إمكانية الخطوة عبر الإعلان عن افتتاح مكاتب تجارية أو ثقافية[14].

 

[1] تايمز أوف إسرائيل، 2/5/2018. https://tinyurl.com/ycjl97xn

[2] صحيفة ماكلاتشي الأمريكية، 10/7/2018. https://tinyurl.com/ybz978t9

هآرتس، 16/9/2018. https://tinyurl.com/yc2qjbgl

[3] قناة يورونيوز على موقع يوتيوب، 21/5/2018. https://tinyurl.com/yahnshvt

[4] ديوان رئيس الحكومة، 21/5/2018. https://tinyurl.com/ydb3l84v

[5] الجزيرة، 6/9/2018. https://tinyurl.com/y8ajjxyz ؛

تايمز أوف إسرائيل، 5/9/218. https://tinyurl.com/yxq9nz6v

[6] ديوان رئيس الحكومة، 5/9/2018. https://tinyurl.com/y7p5y6ql

[7] موقع البيت الأبيض، 6/9/2018. https://tinyurl.com/ybvflh9j

[8] روسيا اليوم، 13/4/2018. https://ar.rt.com/k3tx

[9] تايمز أوف إسرائيل، 25/12/2018. https://tinyurl.com/y6vo7mpe

[10] رويترز، 24/3/2019. https://tinyurl.com/y2v32rmq

[11] إسرائيل اليوم، 1/11/2018. https://tinyurl.com/ycalv9jl ، وغرّد بولسونارو هذا المضمون على حسابه على موقع تويتر في 1/11/2018. https://tinyurl.com/ybfdhr9v

[12] تايمز أوف إسرائيل، 31/3/2019. https://tinyurl.com/y64sgdjr

[13] سيسيليا بايزا: تحوّل أمريكا اللاتينية إلى اليمين: آثاره على فلسطين. شبكة السياسات الفلسطينيّة، 10/1/2017. https://tinyurl.com/y9acn65w

[14] انظر: عام على نقل السفارة الأمريكية إلى القدس: كيف يبدو موقف الدول الأروبية من نقل سفاراتها إلى القدس المحتلة؟، موقع مدينة القدس، 10/5/2019، http://quds.be/vjx

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



براءة درزي

برد الثلاجات إذ يغدو لهيبًا!

الخميس 12 أيلول 2019 - 3:06 م

لا ينفكّ الاحتلال يستغلّ جثامين الشهداء ومقابر الأرقام ضمن وسائل الضبط والعقاب التي يسعى عبرها إلى ترويض الفلسطينيين، وخلق مجتمع خانع راضٍ بالاحتلال، تارك للمقاومة، نابذٍ لها، معرضٍ عنها. وتتحالف أذرع… تتمة »

علي ابراهيم

خمسون عامًا على الجريمة.. والأقصى حيٌّ فينا

الثلاثاء 20 آب 2019 - 4:48 م

كثيرةٌ هي المشاهد التي تؤثر بك تأثيرًا شديدًا، وتغير في كنهك أمرًا صغيرًا لا تدركه، ولكنه عميق الأثر، غائر المعنى.. وكثيرة أيضًا تلك الأسئلة البسيطة الساذجة ولكنها وفي ثوب البساطة تزخر بأعظم المعاني، … تتمة »